محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

763

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وسرّ آخر : أنّ القرآن نزل من عالم الكلمات القدسية مطهّرا لا يمسّه إلّا المطهّرون عن أحداث الرأي والهوى ؛ فمن طلب الهداية فيه فقد اهتدى ، ومن زاغ عنه برأيه فقد غوى . فمن قصر الهداية كلّها على العقل والنظر لم يستقم على مذهبه كون القرآن هدى للناس ، ولم يكن فيه بيّنات من الهدى والفرقان ؛ ومن قال : الهداية كلّها في القرآن العظيم والهادي هو الرسول الكريم مع العقل والنظر القويم أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ . وسرّ آخر : إنزال القرآن يدلّ على أنّ للقرآن وجودا في عالم من العوالم حتّى يصحّ لفظ الإنزال والتنزيل ، كما أنّ إنزال الملائكة والروح فيها يدلّ على أنّ لهم وجودا في عالم من العوالم ؛ وكما أنّ القرآن بجملته موجود قبل الإنزال كذلك كلّ سورة وكلّ آية وكلّ كلمة وكلّ حرف ، ووجوده وجود عقلي لا حسّي كوجود الملائكة المقرّبين ؛ وقد ورد في الخبر : « إنّ القرآن حيّ يجري كما يجري الليل والنهار » 60 وإنّما حياته حياة عقلية لا حسّية ، ودوامه دوام ذاتي غير زماني ؛ فلا بدّ إذا من إثبات عالم هو عالم الأمر والكلمات ، وذلك هو مصدر القرآن والقرآن مظهره ، والكلمات تارة تنزل وتارة تصعد : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ؛ فإذا نزلت واجتمعت كانت قرآنا ، وإذا صعدت وانبسطت كانت فرقانا ، وإنّما نزلت بواسطة الملائكة ، وإنّما صعدت بواسطة التالين حقّ تلاوته ، وكان نزولها لتكون هدى للناس من الضلال وبيّنات من الهدى عن الشبهات ، والفرقان بين الحقّ والباطل ؛ والناس هاهنا ناس مخصوصون ، وكان صعودها لتكون معاذا للناس من النار ، وحبلا يتمسّك بالعروة الوثقى ، وطريقا يسلك به إلى الجنّة ، وبهذا كانت قراءة القرآن في هذا الشهر أفضل ؛ وكما كان نزول القرآن من عالم الطهارة في هذا الشهر كان صعود القرآن بالقراءة إلى عالم الطهارة ، من طهارة بالصوم وطهارة عن الأحداث أفضل وأكمل . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 186 ] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ( 186 ) النظم لمّا سبق ذكر الصيام وقد قرن به إنزال القرآن ( 313 ب ) في شهر الصيام وكان في